الغزالي

218

إحياء علوم الدين

وقد قال سبحانه : * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * « 1 » قيل في التفسير : عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات وقال سريّ السّقطى : لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال : السلام عليك يا ولى الله ، فسكنت نفسه إلى ذلك ، كان أسيرا في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي ، وأنه لا يؤمن منه ، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين ؟ وقال أبو سليمان الداراني : سمعت من بعض الأمراء شيئا فأردت أن أنكره فخفت أن يؤمر بقتلي ولم أخف من الموت ، ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت . وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله وصفاءه لا أصله فالنفاق نفاقان : أحدهما يخرج من الدين ، ويلحق بالكافرين ، ويسلك في زمرة المخلدين في النار والثاني : يفضي بصاحبه إلى النار مدة ، أو ينقص من درجات عليين ، ويحط من رتبة الصدّيقين ، وذلك مشكوك فيه ، ولذلك حسن الاستثناء فيه وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية ، والأمن من مكر الله ، والعجب ، وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصدّيقون الوجه الرابع وهو أيضا مستند إلى الشك ، وذلك من خوف الخاتمة ، فإنه لا يدرى أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا ، فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق ، لأنه موقوف على سلامة الآخر ، ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال أنا صائم قطعا ، فلو أفطر في أثناء نهاره بعد

--> « 1 » الزمر : 47